حين يقع نزاع في قرية أو محلية بدارفور، على أرض أو ماء أو مرعى أو دم، يتدخل الأجاويد بين الطرفين. يسمعون الروايتين، ويقترحون تسوية يرضاها الجميع: تعويضاً، أو دية، أو اعتذاراً علنياً، أو تنظيماً لمسارات الرعي ومواعيدها. قوة الجودية ليست في سلطة تنفّذ قراراتها، بل في قبول الناس لها واحترامهم لمن يجلسون فيها.
ولهذا صارت مهمة اليوم أكثر من أي وقت. فمع شلل النيابات والمحاكم والشرطة المدنية في شمال دارفور خلال الحرب، بقيت الجودية عملياً الآلية الوحيدة التي تمنع نزاعاً صغيراً من أن يتحول إلى عنف مفتوح. في محلية طويلة مثلاً، تتكرر النزاعات بين المزارعين والرعاة حول الأرض ونقاط المياه، وتشتد حين تتحرك المواشي جنوباً قبل مواعيد «المخارف» المتعارف عليها، فتُتلف المحاصيل.
ماذا يقول الناس عنها؟
في مسح أجراه المعهد في محلية طويلة مطلع 2026، شارك فيه 57 من الناشطين والأعيان وأعضاء لجان الجودية والمواطنين، ظهرت صورة مزدوجة: ثقة عالية بالجودية ورغبة واضحة في السلم، يقابلها شك في حياد بعض الوسطاء، وغياب شبه تام للنساء عن مجالسها.
الميل إلى السلم في طويلة ليس استثناءً، بل هو أعلى ما سجّله المسح: 4.47 من 5.
-
تفضيل الحلول السلمية على العنف4.47
-
تأييد تحديث آليات الجودية4.42
-
الثقة العامة بالجودية والصلح3.91
-
رضا الشباب عن تمثيلهم3.84
-
حياد الوسطاء والأجاويد في الواقع3.52
-
فرص فعلية للنساء في لجان الجودية3.31
من الكلمة الشفهية إلى المؤسسة
لا تقترح ورقة «مأسسة الجودية في دارفور»، المنشورة في العدد الأول من مجلة المعهد، أن تُستبدل الجودية، بل أن تُطوَّر. والطريق إلى ذلك خمس خطوات: دليل إجرائي مكتوب ومدونة سلوك تحمي حياد الوسطاء، وتوثيق صكوك الصلح كتابةً وحفظها لدى لجان متابعة مجتمعية، وتمثيل للنساء لا يقل عن ربع مقاعد مجالس الصلح، وإشراك الشباب ميسّرين ووسطاء لا في لجان «الفزع» وحدها، ومرصد محلي للإنذار المبكر يلتقط التوتر قبل أن يتصاعد.
الجودية إذن ليست بقايا ماضٍ، بل مورد حي يملكه المجتمع ويثق به. وما تحتاجه أن تُكتب، وأن تبقى محايدة، وأن يجلس فيها الجميع.